قهوة مرة

قهوة مرة

بقلم
حسين أحمد سليم

نشأتي الأولى, تربيت شبه مناصفة في كنف جدي لأبي وجدي لأمي, حيث قضيت ردحا من الزمن في قريتي الريفية البقاعية, المتربعة بسكينتها وهدأتها على هضبتها الجغرافية العريضة, التي تفخر بآثارها القديمة الباقية تتحدى قهر الطبيعة, والمطلة على معالم مدينة الشمس التاريخية بعلبك, توشيها بعين ساهرة كحلها رؤى الجمال في السهل الأهراء, بلدتي المتعملقة غربي مدينة التاريخ, حيث سيالات الشمس أشعة الحب والعشق تدغدغ كل الأشياء في قريتي, وهي تتماهى في فضاءات الأفق الشرقي لوطني التليد, تطل من وراء جبال الصمود والتحديات… وتبقى طيلة النهار تغازل حجارة وتربة وأشجار وبيوت وشباب وصبايا وعجائز قريتي وتحيطهم بدفئها وحنانها, لتقف في ختام رحلتها عند كبد السماء مسامتة المحور الصاعد إستقامة لهيكل أبولون, تستأذن مقام النبي رشادي, بإنحناءة فوق قبة مسجده, متابعة رحلتها لتودع النهارات في المساءات, رافلة الأشعة على حياء يظهر فوق وجنتها شفقا ورديا وبرتقاليا, وهي تحاول المغيب تهتز باكية خلف قمم جبل صنين المكللة بالثوج صيفا وشتاءا, لتبتلعها مياه البحر إلى حين, وتعود لتلفظها مجددا عند نجمة الصبح حبيبتي القدرية…

في بيت جدي تعلمت الكثير مما رافقني كظلي, أينما إرتحلت في بلاد الله الواسعة وأدمنت عليه في يومياتي… تعلمت من جدي لأبي السهر في الثلث الأول من الليل, أحاور قطتي وتحاورني, وأسامر النجوم وتسامرني, وأنا أرتشف القهوة العربية المرة المحلاة بالهال… وأخذت عنه ممارسة النوم في الثلث الثاني من الليل, راحة لجسدي وفكري ونفسي, وإبحارا ماورائيا في إمتدادات الأحلام, وتخاطرا مع الرؤى التي أحاكيها وتحاكيني في اليقظة, توكيدا للآمال المرتجاة… وتمرست معه النهوض في الثلث الأخير من الليل, عند صياح ديكة القرية لأتوضأ بماء بارد تمهيدا للدخول في عالم البعد الآخر, كي أناجي ربي وأصلي له, ثم أتكور على بعضي أرتل ما تيسر من سور القرآن بصوت رخيم وغنة جميلة, على أسس القراءات السبع للترتيل والتجويد…

وأنا أرقب نجمة الصبح حبيبتي القدرية, تبشرني بقدوم الشمس, لأودعها وتودعني بعد سماع نثائري الوجدانية الجديدة, على أمل اللقاء بها مع الفجر القادم وقراءة غزلياتي على مسمعها, في غفلة من مراقبة شمس الصباح… يحلو لي غسل وجهي وكفي بالماء البارد وصابون الغار المصنوع من زيت الزيتون… وأشعل النار في الموقد المنتحي في زاوية البيت, المصنوع من الحجارة النارية الطبيعية, أغلي على جمراته المتقدة بهدوء, تغني سيمفونياتها, قهوتي العربية المعتقة المحلاة بالهال, في الإبريق النحاسي المصقول من الخارج, يلتمع وضاءا تحت وهج نور القنديل الهوائي المحكم الغلق في بلورته, المعلق في ركن الغرفة على إرتفاع قامتي…

أسكب قهوتي في الفنجان العربي التقليدي رشفة أولى أتذوقها, وأعيد الإبريق يكتنز اللظى فوق الجمرات الهازجات بالحب والعشق, يغنين أناشيدهن القروية إبتهاجا بوجودي قربها, وفرحا بتعليل قهوتي على نارها المتقدة… وأنا أتخاطر في البعد مع حبيبتي القدرية, تلهمني الأفكار لكتابة خواطري الهائمة في تلك السمراء العربية, التي لم يحالفني الحظ لأتعرف بعد إليها, ولكنني أحببتها قداسة وعشقا شفيفا, وإتخذتها قبلة رؤاي إليها أيمم وجهي أن وجدت في هذه الأرض… القهوة العربية المرة المعتقة والمحلاة بالهال, التي يتصاعد بخارها الشذي يضوع في الأرجاء, وهي تتماهى عنفوانا في وسط الفنجان, تناديني في الصباحات والمساءات وتناديها, فنلتقي وحبيبتي القدرية بلا موعد نرتشف لذاذات المرارة في مذاقات القهوة العربية المرة المحلاة بالهال, ونهيم ثملا نفسيا وروحيا وجسديا في فضاءات الحب والعشق, نرود الحدائق الفردوسية الموشاة بالسندس الخالص واللينوفار الوردي المقدس… ونتألم لكي نتعلم ولكن بنشوة الإيمان الكبرى, وهل تضاهيها نشوة أخرى؟!…

__________________

Leave a Reply


FireStats icon Powered by FireStats