مشهديات
بقلم
حسين أحمد سليم
كثيرا ما يحلو لي أن أستيقظ باكرا في قريتي البقاعية الريفية, المتربعة بإطمئنان غربي مدينة الشمس بعلبك, تطل من موقعها المرتفع فوق هضبة واسعة, على نهر الليطاني المنساب المياه في مجراه الذي يشق السهل الممتد, المتموج بإخضرار دائم من المزروعات الموسمية المنوعة, تحف ببيوت قريتي ومنازلها المحيطة بمقام النبي رشادي التاريخي, أصناف عديدة من الأشجار المثمرة والحرجية وأشجار الزينة, وتطوق دروبها مساكب من الورود والأزهار والرياحين, كأنها عقود من اللآليء, والتي تضوع بالشذى في كل الأرجاء, مما يشعرني وكأنني مقيم في رحاب جنة من الجنان التي حدثنا عنها الله في القرآن …
أتوضأ بماء قراح بارد, ينعشني ويحرضني على نشاط من نوع آخر, فأقيم صلاتي خاشعا متضرعا لله, وأتعظ بترتيل وتجويد بعض الآيات المباركات من سور القرآن, لأنصرف لتحضير قهوتي العربية المرة المعتقة في أباريق من الفخار والمحلاة بالهال. والفجر يرسم أولى معالم خيوط الضوء, ونجمة الصبح ما زالت تتلألأ بأنوارها الوضاءة, المنعكسة من قرص الشمس الذي ما زال يتهادى خجلا من جماليات قريتي, خلف قمم جبال لبنان الشرقية, التي تحاكي عنان السماء بعنفوانها وعلوها…
أفترش مصطبة الدار على بساط حيك من الصوف الملون, وفراش عربي شرقي يتماهى باللون الأحمر, ووسادة من ذات الصنف محشوة بريش الطيور الناعم, وطنافس جلدية مرمية عشوائيا, حول موقد تتقد فيه الجمرات المشتعلة, تحتضن الأباريق النحاسية البراقة, التي تحتوي على خلاصة القهوة العربية المرة المعتقة والمحلاة بالهال, وعلى أطراف الموقد مجموعة من الفناجين العربية, تتمايل فوق حوامل خاصة بها, تنتظر ” شفة ” من القهوة العربية المطهوة على نار خفيفة, المكتنزة بكل خلاصات المذاقات الطيبة, والتي يحنو اللسان لطعمها , ويثمل الحلق لمذاقها…
أسكب قطرات القهوة المرة الساخنة, من فوهة الإبريق في فنجان ناصع البياض موشى برسومات وزخارف عربية, أحرك الفنجان بين أصابعي وأهزه على رؤوس أناملي, وأرتشف منه ما يثملني ويحملني على صهوة بخاره, لأرود الأبعاد عند المتناهيات, أتخاطر وقصص الحب العربي, أحاكي روايات العشق الشرقي, فأهيم في الرؤى عند حدود الخيال, لتتراءى لي مشهديات الأفكار تتهادى إلى كالرذاذ من مطاوي الخفايا, أستجليها وأجتليها من إيحاءات نجمة الصبح حبيبتي القدرية ملهمتي لكتابة خواطري ونثائري… أغنيها على عزف ربابتي ذات الوتر الواحد, في محاكاة مع القوس المشدود بشعيرات من ذيل أصيل عربي, أمارس على صهوته رياضة الفروسية كل صباح في إمتدادات بيادر قريتي…
نجمة الصبح تدمع عينها وهي تودعني معلنة رحيلها من الأفق الشرقي في بلادي, تفسح المجال واسعا لشروق الشمس, تطل بسيالات أشعتها وخيوطها الذهبية, لتزيد في جمال المشهديات الإبداعية في قريتي الريفية, تواكبها ” عجقة ” من طيور الصباح تصدح بأصواتها الشجية, وهي تتراقص في الأجواء أمامي تتمايل بهلوانيا ذات اليمين وذات اليسار, بألوانها الزاهية ومناظرها البهية… تشق فضاءات قريتي بزقزقاتها التي لا تهدأ ولا تستكين, وكأنها تقيم عرسها الصباحي في فلكلوريات من تقاليد وأعراف الريف البقاعي البعلبكي… تحوم وتحوم حول مئذنة مقام النبي رشادي, وكأنها تطوف حولها في طقوس الحج والعمرة والزيارة… وتمارس أشواطا وأشواطا جيئة وذهابا بين مجلسي الشاعري ومقام النبي في قريتي التي تفخر بحمل إسمه المبارك… وكأنها تقوم بفعل المقارنة والتطابق بين إبداعاتي الفكرية والفنية, والرؤى النبوية في الهداية لعبادة الواحد الأحد…
أرقب صبايا قريتي وأنا أستمتع برشف القهوة العربية المرة المعتقة والمحلاة بالهال, وفي يدي يراعي تحنو عليه أصابعي الفاترة الدم, يكتب مذكراته فوق القرطاس… تسحرني القامات العربية السمراء المنتصبة, تتمايل إختيالا في دروب قريتي, وهي تحمل جرار الماء المملوءة من نبع القرية, وجدائلها تترامى على أكتافها, وخصلات شعرها تتطاير مع النسيمات الصباحية, تدغدغ وجهها وجبهتها وعينيها وأنفها ووجنتيها وشفتيها, مما يزيد في شوقي شوقا, ويحرضني أكثر للإبداع في خواطري النثرية والشعرية, في ومضات غزلية شفيفة ومحاكاة من الحب القدسي والعشق الفني يتشكل في لوحات تجريدية حينا وسوريالية حينا آخر, توكيدا لقلب نابض بالحياة ونفس كارزة بالعيش وروح هائمة في رحاب الله… وأتألم لكي أتعلم في كل صباح من صباحات قريتي درسا في الحب القدسي مضمخا بالعشق الشرقي الأصيل, لنتماهى جميعا في رحاب الفنون بالفنون…